حاج ملا هادي السبزواري

50

شرح دعاء الصباح

قالوا بصحّة رؤيته في الآخرة منزّها عن الجهة والمكان . وقد طال التشاجر بين المعتزلة والأشاعرة في مسألة الرّؤية : فذهب المعتزلة إلى الامتناع دنيا وآخرة ، والأشاعرة إلى الجواز آخرة : فقالوا انّه تعالى يرى وينكشف لعباده المؤمنين في الآخرة انكشاف البدر المرئي . وحرّر بعض متأخّريهم « 1 » محلّ النّزاع : أنّه لا نزاع للنّافين في جواز الانكشاف التامّ العلمي ، ولا للمثبتين في امتناع ارتسام صورة من المرئي في العين أو اتّصال الشعاع الخارج من العين بالمرئي ، وانّما محلّ النّزاع انّا إذا عرفنا الشمس مثلا بحدّ أو رسم كان نوعا من المعرفة ، ثمّ إذا أبصرناها وغمضنا العين كان نوعا آخر من المعرفة فوق الأوّل ، ثمّ إذا فتحنا العين حصل نوع آخر من الإدراك فوق الأوّلين نسميّه الرّؤية ، ولا تتعلّق في الدّنيا الاّ بما هو في جهة ومكان ، فمثل هذه الحالة الإدراكيّة ، هل تصحّ أن تقع بدون المقابلة والجهة وأن تتعلّق بالحقّ المتعال منزّها عن الجهة والمكان أم لا ؟ والكتب الكلاميّة مشحونة بذكر حجج الفريقين « 2 » من أراد فليطالعها . والحقّ أنّ مراد محقّقي الأشاعرة من الرّؤية هو شهود الحقّ بالحقّ بعين اليقين أو حقّ اليقين كما مرّ في بعض وجوه قوله ( عليه السّلام ) : « يا من دلّ على ذاته بذاته » وهو مجمع عليه للعرفاء الشامخين والعقلاء والمتكلّمين بل جميع إرسال الرّل وإنزال الكتب وإرشاد الكاملين المكمّلين انّما هو للايصال إلى هذه البغية العظمى والغبطة الكبرى ، كما قال تعالى وَما خَلَقتُ الجِنَّ وَالإنسَ الاّ لِيَعبُدونِ « 3 » وفي القدسي : « خلقت الخلق لكي اعرف » [ 1 ] والفلاسفة قالوا : الفلسفة هي التشبّه بالإله ،

--> [ 1 ] قسم من حديث قدسي مشهور عند العرفاء ، فبعضهم نقلوه خطابا من اللّه تعالى لداوود النبي ( عليه السّلام ) وبعضهم نقلوه عن رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه وآله ) عن ربّه وفي الدّرر المنتثرة للسّيوطي ، ص 193 : ( 1 ) وهو الإمام فخر الدين الرازي في « المحصّل » . راجع : تلخيص المحصّل ، ص 316 . ( 2 ) نفس المصدر ص 316 - 322 ، شرح المواقف ، ج 8 ، ص 115 - 143 ، شرح المقاصد للتفتازاني ، ج 5 ، ص 179 - 211 . ( 3 ) الذاريات : 56 .